القرطبي

190

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة ، والله تعالى أعلم . قال ابن العربي : وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ) . الثالثة - قوله تعالى : " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " أي إبعادهم من رحمته . وأصل اللعن : الطرد والابعاد ، وقد تقدم ( 1 ) . فاللعنة من العباد الطرد ، ومن الله العذاب . وقرأ الحسن البصري " والملائكة والناس أجمعون " بالرفع . وتأويلها : أولئك جزاءهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون ، كما تقول : كرهت قيام زيد وعمرو وخالد ، لان المعنى : كرهت أن قام زيد . وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف . فإن قيل : ليس يلعنهم جميع الناس لان قومهم لا يلعنونهم ، قيل عن هذا ثلاثة أجوبة ، أحدها - أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل . الثاني - قال السدى : كل أحد يلعن الظالم ، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه . الثالث - قال أبو العالية : المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس ، كما قال تعالى : " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ( 2 ) " . ثم قال عز وجل : " خالدين فيها " يعنى في اللعنة ، أي في جزائها . وقيل : خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم " ولا هم ينظرون " أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات . " و " خالدين " نصب على الحال من الهاء والميم في " عليهم " ، والعامل فيه الظرف من قوله : " عليهم " لان فيها معنى استقرار اللعنة . قوله تعالى : وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ( 163 ) . فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " وإلهكم إله واحد " لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد ، ووصل ذلك بذكر البرهان ، وعلم طريق

--> ( 1 ) راجع ص 25 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 13 ص 339 .